بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 29 أبريل 2015

تخاريف صوفيه-- الشيخ الرفاعى
يحيى الموتى وتخرج له الاسماك من البحر ليأكلها لتتبرك به ويحدث الملائكه ...الخ
الشيخ الرفاعي خرج مرة مع تلاميذه إلى شاطئ الفرات فقام الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان وسأله: يا سيدي: متى يصل المريد إلى مراده ويصير مرادا ويتصرف في الأكوان ؟
فقال الشيخ: حتى يخرج عن نفسه ومألوفات حسه، ويترك جميع الشهوات المباحات وغيرها، ويصرفه الله تعالى في كون وجوده وعوالمه.. وإذا صرفه في الكون المطلق صار أمره بأمر الله تعالى: إذا قال للشيء كن فيكون.
وإذا التفت إلى هذا النهر الجاري وقال لأسماكه: أجيبوا طائعين مطبوخين مشويين: يطلعوا بإذن الله ويطيعوه ولا يخالفون أمره .
وكان في المجلس رجل كبير الشأن يقال له عمر الفاروثي فقال له: يا سيدي هذا الرجل الذي ذكرتموه لم يكن مخلوقا، بل ربا ثانيا !!
فغضب الشيخ أحمد غضبا شديدا وقال: تأدب يا عمر. لا أفلح من كفر. حاشا وكلا أن يصل المخلوق إلى مرتبة الربوبية. بل لله أسماء وصفات، فإذا تخلق العبد بأسماء ربه وصفاته وتحقق بهما فينظر إليه الحق بعين قربه فيصير فعله من فعل ربه .
والتفت الشيخ إلى النهر وقال: يا خلق ائتوني طائعين، واحضروا إلي مشويين لتأكل منكم الإخوان والحاضرون .
فما استتم قوله حتى تراكمت عليه الأسماك من البحر ونطقت بلسان عربي فصيح: السلام عليك يا خلاصة خلقه. كل من لحمنا لنسعد بك يوم القيامة .
فأخذ الشيخ من الأسماك وهي مشوية ووضعها بين أيديهم، وأتى لهم من عالم غيب الله تعالى بخبز طري ساخن رائحته تفوق المسك والعنبر، فأكل الشيخ وأكل القوم أجمعون وما بقي من الأسماك إلا العظام النخرة .
- إحياء العظام النخرة:
فقال السيد عمر الفاروثي: يا سيدي: ما علامة الرجل المتمكن المتصرف في كون وجوده ؟
فقال الرفاعي: هو أن يقول لهذه العظام كوني سمكا كما كنت أولا بإذن الله تعالى.
فما استتم كلامه حتى قامت وتناثرت سمكا حيا: شاهدة لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة وبالسيد الرفاعي بالولاية العظمى». انتهى
ولقد بلغ من حب الأسماك له أنه كان كلما مشى على الشاطئ تخرج الأسماك من بطن البحر لالتماس بركاته وتزدحم على أقدامه الشريفة، وتسأله بحق الله أن يأكل منها .
ورووا عنه أنه خرج مرة مع جماعته إلى البر فجاعوا فرأى الشيخ سربا طائرا من الأوز (البط) فأمرهم بالنزول حالا، فنزلت إحداهن بين يديه مشوية جاهزة، فأكلها رجل من رجال الغيب كان معه وما بقي إلا عظامها، فأخذ العظام ومرر عليها يده وقال: أيتها العظام المتفرقة الأوصال المنقطعة: اذهبي بسم الله الرحمن الرحيم. فذهبت وزة سوية وطارت في الجو ثانية.
- الأسد يكلم الرفاعي بلسان فصيح الفصيح:
وذكروا أيضاً أن الشيخ الرفاعي رأى أسداً يفترس شاباً وقد «خلع» كتفه من يده ومكث يأكله. فزجره الشيخ الرفاعي زجراً شديداً وقال له: يا خلق الله أما نهيتكم عن أذية الخلق الذين يمرون ببلادنا فنطق السبع وأتى إلى حضرة الشيخ مسلما عليه بلسان عربي فصيح قائلا له:
«يا سيد السادات وصاحب الجود والكرامات: لي سبعة أيام ما أكلت شيئاً، وهذا الشاب أرسله الله لي رزقا مقسوما .
فالتفت إليه الشيخ الرفاعي بنظر الغضب والجلال، فوقع السبع ميتا في الحال، فأخذ الشيخ ذراع الشاب ووضعها في مكانها وقال: بسم الله الرحمن الرحيم. ومسح عليه بيده المباركة فعاد كما كان أولا بل أشد وأقوى».
وهذه القصة منسوبة إلى آخر غير الرفاعي وهو الشيخ عزاز بن مستودع البطائحي ذكرها النبهاني في جامعه.
قال الصيادي: «وحكي أن الفقراء - أي الصوفية - كانوا يتواجدون فداسوا طفلا كان نائما فمات وترضرض حتى لم يعد يعرف ظهره من بطنه، فأحياه الشيخ بعد موته.
وحكي أن أمير مصر صنع لأحد الرفاعيين ضيافة عظيمة وجعل أمامه طبقا فيه دجاجة فنظر إلى الطبق وقال: «سمعت سيدي الشيخ أحمد الرفاعي يقول: الولي المتمكن يحيي الموتى بإذن الله. ثم نظر إلى الدجاجة وقال لها: قومي بإذن الله. فقامت الدجاجة وشقت المجلس وخرجت.
وكذلك حكي أن الشيخ محمد سراج الدين الرفاعي المخزومي قد مر بغلام يذبح شاة فلما رآه والشاة تختبط مذبوحة وقد قرب خروج روحها قال للذابح:
يا واضع السكين بعد ذبيحه
في فيه يسقيه رحيق لهاته
ضعها بجرح الذبح ثاني مرة
وأنا الضمين لـه برد حياته
فأعاد الذابح السكين إلى الجرح، فانتفضت الشاة سليمة لا جرح فيها ولا ذبح .
وجاء رجل إلى الشيخ عثمان بن وروزة البطائحي ومعه ثور ليدعو له بالبركة، فأمر الشيخ السباع واحدا تلو الآخر أن يأكلوا من ثوره حتى لم يبق من الثور قطعة لحم ثم أعاده الشيخ له سمينا أكثر مما كان ولم يتأثر بأكلهم إياه.
وكان الشيخ أبو محمد الشبنكي جالساً على السطح وحده فاجتاز به أكثر من مائة طير واختلطت أصواتها، فقال: يا رب قد شوش علي هؤلاء. فنظر فإذا الكل موتى. فقال: يا رب ما أردت موتهم. فقاموا ينتفضون وطاروا.
- نقل المرض من رجل إلى آخر:
وبإمكان الولي عند الرفاعية دفع المرض من شخص وإصابة بريء به.
فقد روي عن إبراهيم الأعزب - ابن أخت الشيخ الرفاعي - أنه زار مريضا عليه جرب كثير، فشكى إليه المريض كثرة التألم بهذا المرض فالتفت الشيخ إبراهيم إلى خادمه وقال له: أتحمل هذا الجرب عن هذا الفقير؟ فقال: نعم يا سيدي. فقال الشيخ: قد حملته عنك وحملته هذا، فانتقل جميع ما كان على الرجل من الجرب إلى خادم الشيخ، وبقي جسد المريض الأول كالفضة البيضاء.
ثم خرج الشيخ، وخادمه يشكو من الألم، فلما كانوا ببعض الطريق رأى الشيخ خنزيرا فقال لخادمه: قد حملت عنك هذا الجرب وحملته هذا الخنزير. فانتقل الجرب إلى الخنزير وعوفي الخادم.
كذلك نقلوا عن الرفاعي أنه لمس بيده عين رجل مفقود منها ماء البصر فتنورت وصارت أحسن من السليمة وأقوى مع العلم بأن الرفاعي نفسه كان لا يرى إلا بعين واحدة كما ذكر الشعراني، وأن أعداءه كانوا يلقبونه بـ«الدجال الأعور».
كذلك مسح على رأس امرأة قد تساقط شعرها فعاد كما كان ومسح بيده على أحدبية ظهرها فاستقام ورجع قويما كما كان.
- دفع البلاء النازل من السماء:
وقد ذكروا أن أحد تلاميذ الشيخ منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - رأى البلاء وهو نازل من السماء على العراق فاستأذن شيخه في أن يدفع هذا البلاء فأذن له الشيخ فما كان منه إلا أن أخذ قضيبا وأشار إلى السماء فتفرق البلاء واستطاع بمجرد تحريك العصا أن يرد قضاء الله النازل من السماء.
وكذلك الشيخ أبو محمد الشبنكي الرفاعي: إذا مر البلاء من السماء من فوق بلدته: «الحدادية» فإنه يتمزق ويرتفع بفضله.
- الـتـصرف في الأكـوان:
التصرف في الكون عند المتصوفة أشبه ما يكون بالتفويض الإلهي للولي لفعل ما يريد في الكون ويصير متصفا بصفات الحق ومتميزا بميزات عديدة منها:
ما نقل عن الرفاعي أنه قال: «والولي إذا أصلح سره مع الله تعالى: كلفه ما بين السماء والأرض، ثم لا يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن يصير صفة من صفات الحق تعالى، فيطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة إلا بنظره».
وزيادة على ذلك فإنه يكون له حماية خمسين فرسخا، ومائة فرسخ، وألف فرسخ .. ومنهم من يكون له حماية كذا وكذا سنة.
ثم لا تزال ترتفع همته وترتقي رتبته عند الله، حتى تصير همته خارقة للسموات السبع، وتصير الأرضون السبع كالخلخال برجله، ويصير صفة من صفات الحق جل وعلا لا يعجزه شيء» .
وقد جعل الرفاعيون هذه المرتبة للشيخ الرفاعي، فذكروا أنه كان قطب الأقطاب في الأرض، ثم انتقل إلى قطبية السموات، ثم صارت السموات السبع في رجله كالخلخال.
ويحكون أنه وقف مرة على شاطئ النهر وقال لأتباعه: «أعطاني الله التصرف في الأشياء كلها، ثم قال: سيري يا سفن وقف يا ماء، فأوقف حركة الماء حتى صار جماداً ومع ذلك أمر السفن بمتابعة المسير فسارت. ثم بدل الطبيعة الكونية مرة أخرى فأمر الماء أن يسير وأن تتوقف السفن فقال: سر يا ماء وقفي يا سفن. فسار الماء وجمدت السفن.
ومثل ذلك فعل أبو علي الروزباري حين أزعجه صوت الريح واهتزاز أغصان الشجر فنظر إلى الشجر فجمدت وبقيت الريح على سرعتها وقوتها.
وأصدر الرفاعي أمراً إلى شجرة بالمجيء إليه بينها وبينه نهر الفرات، وأقسم عليها بذلك قائلا: «أقسم عليك بالعزيز سبحانه إلا ما أجبت دعوتي وأتيتيني طائعة، فانشقت الأرض، وانفلق البحر، وأتت الشجرة طائعة ناطقة بلسان عربي فصيح تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أنك شيخ الشيوخ على الإطلاق وشيخ أهل الأرض والسماء».
ومن التصرفات في الطبيعة الكونية ما يروى عنه من أنه:
- كان يصلي الصبح في مكة.
- والظهر في المدينة.
- والعصر في بيت المقدس.
- والمغرب في بعلبك.
- والعشاء في جبل «قاف»
وذكروا أن الشيخ إبراهيم الأعزب كان له خمسون ألف تلميذ، فقال أحد تلاميذه في نفسه: كيف يقدر هذا على تربية هؤلاء ومعرفتهم ؟ فاطلع الشيخ على ما أسره في نفسه وقال له: إن الله تعالى جعل قلوب الكل بيدي. ثم جمع أصابعه في الهواء وإذا بتلاميذه يهرولون من كل مكان حتى امتلأ المكان، ثم بسط أصابعه فرجع كل واحد منهم من حيث جاء. قال الصيادي: فانظر يا أخي إلى هذا التصريف العظيم .
كفر ظاهر: إرادة الشيخ إبراهيم عندهم غلبت إرادة الله .
وقد زعموا أن الشيخ إبراهيم هذا كانت إرادته تعارض إرادة الله في ملكه، وزعموا أن الله ناداه «سيدي إبراهيم» .
فقد حكى محمد أبو الهدى الصيادي أن الشيخ أحمد الرفاعي قال لإبراهيم: «ناداني العزيز سبحانه وقال: إني أريد أن أخسف الأرض وأرمي السماء على الأرض، فقلت: إلهي من ذا الذي يعارضك في ملكك وإرادتك ؟
قال: سيدي إبراهيم. فأخذته الرعدة ووقع على الأرض».
وقد رووا عن إبراهيم هذا أنه كان يقول: « أعطاني ربي عز وجل التصريف في كل من حضرني، فلا يقوم أحد ولا يقعد ولا يضحك في حضرتي إلا وأنا متصرف فيه، فقال رجل من الحاضرين في نفسه: فها أنا أقوم وأقعد إذا شئت. فقطع الشيخ إبراهيم كلامه والتفت إليه وقال: انهض. فلم أستطع. ثم قال: يا بني ألم تعلم أن قلوب الخلق بين أيدينا كالمصابيح من وراء الستارة نشهدها رأي العين .
وكان (على حد قولهم) ظاهر التصريف في البواطن والظواهر وكان إذا قال لأشد الناس خوفا من النار: اذهب إلى النار: لم يشعر بنفسه إلا في النار ويمكث فيها ما شاء الله ويخرج منها وما احترقت ثيابه، وكان إذا أحب رجلا لا يقدر ذلك الرجل على مفارقته ويجد باعثاً من نفسه يقوده إليه طوعا أوكرها.
وذكروا أيضا أن الشيخ منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - حضر معركة بين جيش العراق وجيش العجم لم تقع بعد. فصفق بيده فتصادم الجيشان، ثم قبض اليد اليسرى وقال: هذه لجيش العجم. فظهر جيش العجم على جيش العراق. فلما بسطها ظهر الجيش العراقي وهزم الجيش العجمي هزيمة ساحقة.
ويحكون عن الشيخ منصور أنه كان على قدر عظيم من التصريف فقد وصفوه بأن الله «أظهره للوجود، ووهبه المراتب المنيعة، وصرفه في الأكوان، وحكمه في الذرات، وألان له الصعاب، وأذل له الأسود، وجمع عليه القلوب، ونصبه قبلة للعارفين وكعبة للسالكين.
ومن الجدير بالذكر أن نجد في كتب الرفاعية ما يفيد إدانة الرفاعي نفسه لهذا التصريف الذي يدعيه الرفاعيون لمشايخهم، فقد جاء في كتاب (الكليات الأحمدية) أن الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله قال: «قال بعض صوفية خراسان أن روحانية بن شهريار تتصرف في ترتيب جموع الصوفية: ذلك لم يكن إلا لله الوهاب الفعال. إن تصرف الروح لا يصح لمخلوق.
- الرفاعية يعرجون إلى السماء ويمحون ما في اللوح الـمحفوظ
يكثر كلام الصوفية عن عروج مشايخهم إلى السماء وحضور ديوان الربوبية ومخاطبة الرحمن والاطلاع على ما في اللوح المحفوظ، بل بلغ الأمر بالرفاعية أن زعموا أن من مشايخهم من يعرج إلى السماء ويمحو من اللوح المحفوظ ما يشاء.. ومثل هذا عن كتب الطريقة النقشبندية مثل قول الشيخ أحمد الفاروقي: «كثيراً ما كان يعرج بي فوق العرش المجيد، ولقد عرج بي مرة فلما ارتفعت فوق العرش بقدر ما بين مركز الأرض وبينه رأيت مقام الإمام شاه نقشبند» إلى أن قال:
«واعلم أني كلما أريد العروج تيسر لي».
على أننا نجد مثل ذلك بين كتب الرفاعية أيضاً. فقد ذكر أن الشيخ الرفاعي قال: «أيها الفقراء: الشيخ عثمان السالم أبادي قدس الله سره يصعد كل يوم عند غروب الشمس إلى ديوان الربوبية، وينظر ديوان ذريته: فما يجد من سيئة يمحوها ويكتب «عوضها» بلا معارضة. ثم التفت إلى ابن أخته - إبراهيم الأعزب - وقال له: يا إبراهيم لا يكون الرجل ممكنا في سائر أحواله حتى يعرض عليه عند غروب الشمس جميع أعمال أصحابه وأتباعه وتلامذته فيمحو منها ما يشاء ويثبت فيها ما يشاء».
قال: وأما سيدي حمزة قدس الله سره فرجل عظيم المنقبة، علي المرتبة، من كان له حاجة فليقصده يوم الأربعاء ،فإنه يحضر ديوان الربوبية ويقضي الحوائج .
وأما سيدي الشيخ منصور قدس الله سره فإنه لم يزل في السماء مثل الدلو في حوض البئر، له صعود ونزول، يقضي حوائج الناس وحوائج ذريته وأصحابه إلى يوم القيامة». يتابع الرفاعي فيقول:
سيدي منصور صاحب طريق عجيب وسر غريب، لأنه كان يقول في أكثر أوقاته: قال لي العزيز سبحانه كذا وقلت للعزيز سبحانه كذا وقال لي ربي وقلت لربي»
- تحويل الشقي إلى سعيد:
وزيادة على ما يعتقده الرفاعية في مشايخهم من الإحياء والإماتة والمنع والإعطاء كما تجد مثل ذلك في شخص السيد عبد الرحيم الرفاعي شقيق علي بن عثمان خليفة الرفاعي.
فإنهم يعتقدون فيهم أن بإمكانهم محو ما يشاؤون من السيئات وإثبات ما يشاؤون في اللوح المحفوظ، بل وتغيير الشقي إلى سعيد وبالعكس.
ولقد رووا عن الشيخ أحمد الرفاعي أنه كان يقول: «كل شيخ لا يغير صفات تلميذه ويكتب الشقي سعيدا فما هو عندنا برجل».
ورووا أنه دخل على الشيخ الرفاعي رجل مكتوب على جبهته سطر الشقاوة فمحاه
- الطبيعة تتبدل من أجلهم:
قال الصيادي: « ثبت بين السادة الرفاعية أن وقفت الشمس في قرصها للسيد قطب الدين أحمد كي لا تفوته صلاته. فلما وصل إلى قرية «أم عبيدة» توضأ وصلى لوقته فسقطت الشمس غائبة لوقتها».
ولا تتوقف الشمس أيضاً عن الحركة من أجل أحد مشايخ الرفاعية، بل إنها تنكسف لموت أحدهم أيضا كما صرح بذلك الصيادي والنبهاني وغيرهما، حيث ذكروا بأن الشمس كسفت لموت إبراهيم الأعزب.
وهذه مخالفة صريحة لا يغفل عنها عالم ولا جاهل، فمن منا يجهل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته))
وكذلك تتزحزح الجبال بمجرد إشارة من أحدهم وهو الشيخ عقيل المنبجي الملقب بـ «الطيار» لكثرة ما كان يطير في الهواء وتتفجر الصخرة عيونا من الماء بوكزة منه.
ويسأل عقيل هذا عن علامة الرجل المتمكن، فيقول بأن علامته: أنه لو قال لهذا الجبل تحرك لتحرك. قال: فتحرك الجبل.
وهذه مواصفات وقدرات خارقة عديدة تجتمع في أحد مشايخ الطريقة وهو الشيخ عبدالله بن نجم الدين مبارك الصيادي الرفاعي الذي كان يثني على نفسه قائلا:
«منذ عامين وأنا أتلو سطور القربى، وأتقلب على بساط الصديقية الكاملة، وتحف حضرتي أقطاب الشرق والغرب ويجيئني الخضر، وأرى النبي صلى الله عليه وسلم «عيانا» وأتلقى عنه عليه الصلاة والسلام الأوامر الخاصة وتخدمني الهوام، وأفهم لغات الطيور والوحوش، وأسمع تسبيح الجمادات، وتمر بي حوادث الأكوان، ويرهب مكانتي الزمان، وتساعدني الأقدار بكل ما أروم ويبشرني الوارد المحمدي بالترقيات والقبول، وتسلم علي الأبدال، وتتضرع بي الأنجاب، وتنكشف لي عوالم البراري والبحار»
فهذا الرجل لم يؤت ما أوتيه سليمان عليه السلام فحسب، وإنما أوتي ما أوتيه الأنبياء جملة واحدة، وربما ما لم يؤتوه أيضاً.
ومما يحكى عنه من الكرامات أن أبا بكر الدينوري سمع الصوفية يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ))من أكل مع مغفور له غفر الله له)) ، فلم يصدق به فسأل النبي صلى الله عليه وسلم في المنام عن درجة هذا الحديث فقال له: أنا قلت هذا الحديث، وغدا تأكل مع مغفور له ويغفر الله لك .
وفي اليوم التالي أخذ نجم الدين لقمة وقال له: « كل يا أخي أبا بكر، صدق سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل مع مغفور له غفر الله له، وأنت مغفور لك».
فالرجل لم يتحقق من الحديث بالرجوع إلى رجاله ورواته وإنما بالتحقق من النبي صلى الله عليه وسلم شخصياً، وهذا مشهور عند الصوفية أنهم ربما سألوه في الرؤيا عن الحديث الموضوع فيقول لهم أنا قلته، وربما سألوه عن الحديث الصحيح المتواتر فيقول: لم أقله فيعتبروه حينئذ موضوعا وإن رواه البخاري ومسلم. بمعنى آخر أن لهم إسناد خاص وحكم خاص على الحديث يأخذونه عن النبي مباشرة لا على الطريقة التي مضى عليها أهل الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما .
ثم قد ذاع عند المتصوفة أيضا دعوى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم عيانا يقظة لا مناما، كما في نص الشيخ نجم الدين «وأرى النبي عيانا» وكما في ادعاء الشيخ جلال الدين الرفاعي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بضعا وسبعين مرة. والذي ألف كتابا جمع فيه من اجتمعوا به يقظة وأسماه: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك.
وهو قول لا يسلم من الزامات عديدة، منها:
أن يصير الذي يراه يقظة «صحابيا» .
أن يصير زائر قبر النبي صلى الله عليه وسلم إنما يزور قبراً خالياً.
أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متنقلا تارة هنا وتارة هناك إذ أن مدعي رؤيته عيانا كثيرون بل منهم من يزعم رؤيته كل يوم بل كل ساعة، وقد بلغ الأمر بأحدهم أن ادعى أنه لو غاب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عد نفسه من المسلمين.
على أنهم ذكروا أن أبا الفضل الواسطي كان يعرف أيضا لغة الحيوانات والطيور ويذكر جميع أحوالهم وما هم عليه في البر .
- الـطعـــن بالأنــــبيــاء
لقد كنت من خلال استعراضي لسيرة الرفاعي من خلال ما كتبه عنه الرفاعيون أنهم يحاكونه بالنبي صلى الله عليه وسلم وببعض ما جرى له مثل حادثة شق الملائكة لصدر الرفاعي، ومثل التلميح من وقت لآخر بعصمته، بل إنهم يدفعون أولياءهم دفعا إلى مرتبة النبوة حتى إنهم ليعتقدون فيهم أنهم الأولياء الكمل الذين هم في غالب أمورهم لا يعمل عملا إلا عن إذن سماوي . ولا يختلف الإذن السماوي عن الوحي السماوي إلا في العبارة .
- إبراهيم عليه السلام يتعرى !
وقد قالوا على سيدنا إبراهيم عليه السلام بهتانا عظيما فزعموا أنه صلى الله عليه وسلم تعرى ليكشف الشيخ إبراهيم الأعزب عن أعضائه .
جاء ذلك في كتاب (روضة الناظرين) الذي ذكر أن إبراهيم الأعزب سئل عن حال الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم فذكر مجموع صفاته وكيفية أعضائه. فقال رجل: «من أهل العلم»: ما قاله السيد إبراهيم في شأن الخليل ما وجدناه في كتاب وما نقل عن أحد. فسمع إبراهيم الأعزب قوله فتبسم وأشار بيده إلى نحوه فنظر الفقيه إلى ذلك المكان فصرخ صرخة ووقع مغشيا عليه. فلما أفاق قال: رأيت الخليل صلى الله عليه وسلم وقد تعرى ليرى أعضاءه السيد إبراهيم».
ولقد أثنى الصيادي على الشيخ الرفاعي بأبيات قال فيها :
برقعتك العناية الإلهية
يا رفاعي بالبرود السنية
لم نقل أنت في مقامك معصو
م ولكن حفظا هجرت الخطية
أنت زيتـونة كريمة أصل
لا شرقية ولا غربية
أنت فرد الأغواث يا نبوي الـ
خلق والخلق يثبت الفردية
ثم زعم أن الرفاعي منزه عن مرتبة الغوثية لأنه نال ما هو أعلى وأجل منها وهي رتبة النيابة عن النبوة.
وهذا طعن بالألوهية والنبوة معا. فإن الله هو غياث العباد ومددهم وكشاف كروبهم ولا ينزه عن ذلك، وليست مرتبة النبوة بأفضل من تلك فضلا عن أن تكون النيابة عن النبوة أفضل من غوثية الله تعالى .
ومن صور استهزاء الرفاعية بالأنبياء ما رووه عن الرفاعي أنه قال لأتباعه:
« يا سادة: هذا البحر الذي أنتم تغوصون فيه: غرق فيه وفي ساحله مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي. ومائة ألف وأربعة وعشرون ألف ولي. ومثلهم صديقون ما وجدوا له قراراً وحارت فيه أفكارهم، وضاعت فيه أوهامهم، وذهبت فيه عقولهم.
- ادعـــاء علم الغيب مطلقا
لم يختلف المسلمون يوما فيما بينهم عن علم الله الغيب: هل يشاركه فيه أحد كما قال تعالى:قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل : 65]. وكما أمر نبيه أن يقول: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام : 50]
وقد قال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)) متفق عليه.
وقال لجبريل صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الساعة: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) .
فادعاء الكشف عن علم الغيوب من أعظم الكذب على الله.
غير أنه يعتبر عند المتصوفة منقبة من المناقب وكرامة من الكرامات.
فالقلب - على حد قول الشيخ الرفاعي - إذا صلح صار مهبط الوحي والأسرار والأنوار والملائكة، وإذا فسد صار مهبط الظلم والشياطين.
وعلى حد قوله أيضاً أنه:
« إذا أراد الله أن يتخذ وليا أنعم عليه بأربع:
1- الكفاية. 2- الحماية.
3- الرعاية. 4- الهداية.
فإذا تحققت هذه الأربع أكرمه بأربع أيضاً:
1- يقرأ ما على الجباه.
2- ويصافح الملائكة ويصافحونه.
3- ويكلم الموتى ويكلمونه.
4- ويدخل القبور فيعرف المنعم من المعذب.
وإذا تحلى الأولياء بهذه الخوارق الهائلة من كفاية ورعاية وهداية وعناية فما المانع حينئذ من أن يكونوا ظل الأرض وأمان أهلها من كل خوف وأذية بعد أن ضاهوا الله في قدرته وصاروا صفة من صفاته، يقولون للشيء كن فيكون، ويتحكمون في الكون، ويكشفون المكنون !!
الحقيقة أنهم صاروا عند الرفاعية كذلك، فقد ذكر الصيادي عن الشيخ عثمان القصير أنه قال:
«كان الشيخ علي الرفاعي - خليفة الشيخ أحمد - أمانا لأهل الأرض، وظلا ظليلا على سائر الخلق».
ولما ذكر الرفاعي أنه صحب ثلاثمائة ألف أمة وأنه كان يعرف كلامهم وصفاتهم وأسماءهم وأرزاقهم وآجالهم، تعجب خادمه يعقوب فقال له الشيخ: «وأزيدك أيضاً أنه لا تستقر نطفة في فرج أنثى إلا ينظر الولي إليها ويعلم بها».
فقال يعقوب: يا سيدي هذه صفات الرب جل وعلا !!
فقال الشيخ: يا يعقوب، استغفر الله تعالى فإن الله إذا أحب عبدا صرفه في جميع مملكته، وأطلعه على ما شاء من علوم الغيب .. وإذا كان الحق تعالى مع عبده كما يريد، صار كأنه صفة من صفاته».
ذكر الشعراني تلك المساجلة بين الشيخ الرفاعي وخادمه يعقوب، وزاد على ذلك بأن نقل عن شيخه (علي الخواص) شروطاً يجب توافرها في الولي الصوفي وهي:
1- أن يكون عنده علم يكشف به الحقائق والدقائق.
2- أن يعلم ما جاز وما وجب وما استحال.
3- أن يكون له سريان في العوالم العلويات والسفليات.
4- أن يكون له قوة على التلبس في الصور، والتطور في الرتب.
5- أن ينظر أحوال مريده من اللوح المحفوظ.
6- أن يراقب مريده من حين كان في عالم الذر قبل وروده وهبوطه إلى أصلاب الآباء وبطون الأمهات.
وإذا كان للأولياء هذا المبلغ من الكشف والعلم الغيبي على النحو الذي يشترطه شيخ الشعراني فلا يعجب حينئذ أن يقرأ في كتب الشعراني أن شيخه المذكور كان ينظر في الميضأة فيرى الذنوب التي تتساقط عليها من أثر الوضوء، وأنه نظر مرة إلى المغطس فقال: «لا جزى الله خيرا من اغتسل في هذا المغطس فإنه قذره وأنتنه. فسألوا عمن اغتسل فيه فوجدوه رجلا كان قد فعل الفاحشة في عبده»
- الرفاعي يخاطب أمه وهو في بطنها
وجاء في كتاب (الروض النضير) أن الشيخ الرفاعي كان يخاطب أمه وهو في بطنها فيقول:
«يا أماه السلام عليك. فتقول: وعليك السلام يا ولدي. ما اسمك ؟
فيقول: اسمي أحمد.
ولقد سألها مرة - وهو حمل في بطنها -: ما تطلبين من الله؟
فقالت: الرحمة.
فقال: لها أسباب سبعة:
1- النية الصالحة. 2- الصلوات الخمس.
3- الإحسان إلى الفقراء. 4- صفاء الضمير.
5- حفظ اللسان من الغيبة.
وكانت أمه تدخل على الشيخ أبي محمد الشنبكي وهي حامل به فيقوم لها إجلالا. فلما تكرر ذلك منه سئل عنه فقال: أنا أقوم إجلالا للجنين الذي في بطنها، فإنه أحد المقربين إلى الله عز وجل وهو من أصحاب المقامات.
- كيفية خروجه من بطن أمه
قال صاحب كتاب (الروض النضير): « ولما ولدته أمه خرج منها ويده اليمنى على صدره كما يفعل المصلي. ويده اليسرى يغطي بها عورته، وكلما رفعوا يده عن عورته أعادها ليغطي عورته.
وما أن خرج من بطن أمه حتى صار يحرك شفتيه، فأمر الشيخ منصور البطائحي بعض الحاضرين أن يقتربوا من شفتي الشيخ أحمد. فسمعوه يقول: سبحان الذي صوركم فأحسن صوركم.
ولما ولدته أمه أبى أن يرضع، وما زال على ذلك حتى أتوا له بمرضعة تقية طاهرة، فكانت تجدد وضوؤها حالة إرضاعه.
ولما جاء رمضان أمسك عن الرضاع، وامتنع عن شرب الحليب نهارا إلا بعد الإفطار وبقي كذلك إلى بعد العيد.
- شق الـملائكة لصدر الرفاعي
ومن قصة شق صدر النبي الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه أخذ الرفاعيون فكرة الرفاعي فذكروا عنه أنه قال لابن أخته «إبراهيم الأعزب»: «اعلم أني لما دعيت إلى هذا الأمر: حملت إلى قبلة هذا البلد، وشق صدري ملك من الملائكة المقربين، فأخرج منه شيئاً مظلما وغسله بماء الحيوان من الرياء وسوء الخلق وكل ما للشيطان فيه نصيب، كل ذلك وأنا أنظر بعيني كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم».
وهذه الحالة من الأحوال المطابقة لما حصل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غير أن المرء يتساءل: ما الغرض من حدوث مثل ذلك للرفاعي أليكون معصوما كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وأي أمر هذا الذي أخبر أنه «دعي إليه أهو النبوة أم الرسالة ؟» .
إننا نجد عبارة أخرى بين كتب الرفاعية تحدد لنا ما هو هذا الأمر الذي دعي إليه. فقد جاء في كتاب (سواد العينين) أن الله قد رفع الشيخ الرفاعي إلى مقام القطبية والغوثية، وأنه من أجل ذلك ذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتململ على عتبته وصار يقول: «العفو العفو» إلى أن أحاط به النداء من كل جانب «فاستقم كما أمرت».
إن مثل هذه الحادثة إنما وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ضرورة لنبوته . فالعصمة من الزلل ومن كل ما للشيطان فيه نصيب إنما هو من ضرورات النبوة فما السبب في حصول مثل ذلك لغير النبي كالرفاعي؟
- صك بتحريم النار على الرفاعي وعلى كل ما تمسه يده
ويدعي الرفاعية أن الشيخ الرفاعي كان بيده ورقة بيضاء فنادى أحد أتباعه وقال له: يا فلان تعال وأقرأ هذه الورقة قال: فقرأتها وهي مكتوبة بالنور.
قال الرفاعي: رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني هذه الورقة وقال: يا أحمد، هذه براءتك من النار. قال: فأخذت الكتاب فقرأته وإذا فيه مكتوب: براءة ابن أبي الحسن من النار، ثم انتبهت وإذا الكتاب بيدي».
ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل ازداد ليجعل كل من مسته يد الرفاعي محرما على النار.
فقد ذكروا أن الله وعد الرفاعي أن كل من دخل قريته أو مس كفه لا تأكله النار ولا تضره. وحكوا عن الرفاعي أنه أمسك مرة سمكة وأعطاها إلى أحد مريديه ليشويها له فلم تنشو ولم تنضج وبقيت نيئة على حالها فتعجب المريد من ذلك فأخبره الشيخ الرفاعي أن السبب في ذلك أن الله تعالى وعده أن لا تضر النار شيئاً مسته يده.
- الرفاعي يبيع قصرا في الجنة
وهذه قصة منسوبة إلى الشيخ الرفاعي مفادها أن الرفاعي قد باع رجلا قصرا في الجنة محدد المساحة لقاء شراء بستان في الدنيا.
قال محمد أبو الهدى الصيادي: «ونقل أن الشيخ جمال الدين الخطيب كان من أكابر أصحاب السيد أحمد الرفاعي وكان يريد أن يشتري بستانا لضرورة، فامتنع صاحب البستان عن بيعه إياه، فتشفع الشيخ جمال الدين إلى الرفاعي، فأتى رد الشفاعة من صاحب البستان (إسماعيل بن عبد المنعم) الذي قال للرفاعي: يا سيدي إن اشتريته مني بما أريد بعتك إياه.
فقال الشيخ: يا إسماعيل قل لي كم تريد ثمنه حتى أعطيك؟
فقال: يا سيدي تشتريه مني بقصر في الجنة؟
فقال الرفاعي: من أنا حتى تطلب مني هذا يا ولدي؟ اطلب من الدنيا.
فقال: يا سيدي شيئاً من الدنيا ما أريد، فإن أردت البستان فاشريها بما أطلب.
فنكس السيد أحمد الرفاعي رأسه ساعة، واصفر لونه وتغير، ثم رفع وقد تبدلت الصفرة إحمرارا وقال: يا إسماعيل قد اشتريت منك البستان بما طلبت.
فقال: يا سيدي اكتب لي خط يدك. فكتب له السيد أحمد الرفاعي ورقة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير الحقير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي، ضامنا على كرم الله تعالى قصرا في الجنة تجمعه حدود أربعة:
الأولى: إلى جنة عدن. الثانية : إلى جنة المأوى.
الثالثة: إلى جنة الخلد. الرابعة: إلى جنة الفردوس
وذلك بجميع حوره وولدانه وفرشه وستره وأنهاره وأشجاره، عوض بستانه في الدنيا. وله الله شاهد وكفيل.
ثم طوى الكتاب وسلمه إليه، وأوصى صاحب البستان المذكور أن يوضع الصك معه في كفنه إذا مات، ففعل أبناؤه ذلك، ولما دفنوه وجدوا صبيحة اليوم التالي وقد كتب على قبره «وقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا» .
ويتغنى الصيادي بهذه القصة بأبيات من الشعر فيقول مخاطبا الرفاعي:
وبستان إسماعيل لـما اشتريته
بقصر وقد أرهنته الخط والختما
وذاك بدار الخلد في ساحة الرضا
فصدقك الـمولى ووعدك قد تـما
على أن الرفاعي قد ضمن الجنة لآخر مقابل عصفور يشتريه منه. فجاء في كتاب (قلادة الجواهر) أن واحداً من أصحاب الشيخ الرفاعي اصطاد عصفورا وشد برجله خيطا وعلقه، والعصفور يصيح من شدة الألم، فقام الشيخ أحمد الرفاعي والتمس منه خلاص هذا العصفور فأبى وقال للشيخ: "تشتريه مني؟"
فقال الرفاعي: نعم، بكم هو؟
قال: بأن أكون بصحبتك في دار السلام، وأجوز معك بالسلام على الصراط.
قال الرفاعي: نعم.
فقال صاحبه: والله على ما نقول وكيل؟ قال: نعم.
قال: اعهد معي. فعهد معه وخلص العصفور».
لقد اعتاد المتصوفة ذكر مثل هذه الحكايات التي يعِدون فيها من شاؤوا بدخول الجنة. ومثل ذلك أيضاً ما يزعمه متصوفة آخرون عن مشايخهم كالتيجاني القائل: «وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل من رآني يدخل الجنة وإن كان كافرا».
وكذلك قول أحد أتباعه: «رأيت شيخنا التيجاني بيده حلة، وقال لي: من رأى هذه الحلة دخل الجنة».
ولا شك أن الإسلام يأبى مثل هذه الأقاصيص التي تعلق الناس بغير الله وتجعل رجاءهم فيما عند المحتاجين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا وتقطع الرجاء فيما عند الغني الذي بيده الضر والنفع والثواب والعقاب لا بيد أحد سواه.
ونستطيع القول بأن صكوك ومواثيق دخول الجنة التي يذكرها المتصوفة عن مشايخهم قد سبقهم إليها النصارى، فقد اشتهر عن الكنيسة مثل هذه الصكوك المسماة «صكوك الغفران» والتي كانت تشبه في نصها هذا النص المنسوب إلى الشيخ الرفاعي. ولا يزال النصارى إلى اليوم يسخرون من مهزلة هذه الصكوك ويهزءون بسببها من الكنيسة، فليس للنصارى ولا للمتصوفة أن يتألوا على الله فيضمنوا الجنة لأحد من عباده. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف: 32], أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ؟ [ص: 9].
- الرفاعي يمرض ويجوع فداء للآخرين
إن فكرة تعذيب شخص فداء عن الآخرين قديمة تبنتها العديد من الديانات والمذاهب، وهي مشتهرة عند النصارى الذين زعموا أن المسيح عليه السلام تألم وتعذب من أجل الآخرين. وتعرف هذه الفكرة بمبدأ «الكفارة والفداء».
والجدير بالذكر أن هذه الفكرة تسربت إلى أصحاب الطريقة الرفاعية الذين جعلوا شيخهم يتحمل البلاء والمرض نيابة عن الآخرين.
فقد ذكروا أن شيخهم مرض فقال: «أقبل على الخلق بلاء عظيم فتحملته عنهم واشتريته بما بقي من عمري فباعني». وكان يبكي ويقول: اللهم اجعلني سقف البلاء على هؤلاء الخلق.
وكان يقول لخادمه يعقوب: ما وجد أحد من الفقراء أذى إلا وجدت ألمه في قلبي.
ورأى أحدهم حال الشيخ الرفاعي من الجوع والفقر فقال في نفسه: «أولاد المشايخ يركبون الخيل ويلبسون الناعم، والسيد أحمد لا يركب الخيل ولا يلبس المليح ولا يشبع من الطعام. فعلم الشيخ بما خطر في نفسه وقال له: يا ولدي استغفر الله مما خطر لك، فلو لم يجع سيدك ما شبع أحد من المسلمين، ولا ركب فرسا ولا حمارا».
- الرفاعي يذوب ويتحول إلى ماء
ومن أعجب ما حكي عن الشيخ الرفاعي أنه كان يذوب كالرصاص ويستحيل إلى ماء كلما جلس يتعبد الله تعالى.
فقد ذكر محمد أبو الهدى الصيادي أنه لما كان الله يتجلى على الرفاعي بالعظمة كان يذوب حتى يبقى بقعة ماء ثم تدركه الرحمة الإلهية فيجمد شيئاً فشيئاً حتى يعود بدنه إلى ما كان عليه فيقول لأتباعه: «لولا لطف الله ما عدت إليكم».
وذكر الصيادي والنبهاني أيضاً أن الرفاعي خرج مع أحد مرافقيه (الشيخ سعيد) في الليل فوصلا إلى بستان، فقال له الرفاعي: قف ههنا حتى أرجع.
قال الشيخ سعيد: فوقفت مكاني حتى مضى من الليل شطره وهو لم يرجع. فمشيت على أثره لأعرف خبره، فإذا أنا بثيابه ملقاة على الأرض وعلى جانبه ماء، فجعلت أطوف يمينا وشمالا فلم أجده. فرجعت إلى موضعي وأنا مرعوب من ذلك إذ أقبل علي وأنواره تشرق، فسألته عن ذلك فقال: يا ولدي أنا كنت ذلك الماء الذي رأيته. نظرني العزيز سبحانه بعين اللطف فصرت كما ترى. يا سعيد لولا أن نظرني بعين اللطف لما رجعت إليكم أبدا».
ومثل هذه الأحوال نسبوها أيضا إلى غير الرفاعي، فقد ذكر الصيادي أن قوما جاءوا إلى الشيخ منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - فسألوه عن المحبة، فسكت ثم ذاب كما يذوب الرصاص قطرة بعد قطرة وهم ينظرونه حتى صار كالماء المائع.
وقد أخبرني أحد من اجتمعت بهم ممن رجعوا عن هذه الطريقة أنه قرأ في أحد كتب الرفاعية أن سبب ذهاب إحدى عيني الشيخ الرفاعي: أنه كلما جلس للعبادة والذكر يذوب ويتحول إلى ماء، فكان يجلس في طست لئلا ينتشر هذا الماء فيضيع شيء من بدنه. فكان أن جلس في الطست مرة وتحول إلى ماء إلا عيناه فإنهما بدتا وكأنهما كرتين، فدخلت ابنته ولعبت بإحداهما فعطبتها ومنذ ذلك الحين صار يرى بعين واحدة.
قال لي ذاك الأخ: فقلت في نفسي: أبلغت الخرافة في الدين إلى هذا الحد؟
قال: فأقبلت على الكتاب وما صح من السنة وخلعت عني أوهام التصوف.
- الرفاعي لا يأكل ولا يشرب
ومما حكوه عنه من الكرامات أيضاً امتناعه عن الطعام والشراب لأيام وأسابيع وشهور، بل وربما سنوات.
فقد ذكر الصيادي أن الشيخ الرفاعي خرج إلى الحج ثم إلى المدينة. ومنذ خروجه من العراق إلى أن عاد إليها من الحج لم يأكل طعاما قط، ولم يتناول جرعة ماء واحدة.
وذكر أيضاً أنه بقي مرة نصف نهار لم يشرب ماء فوجد قدحا على التنور وفيه ماء وسخ من غسل الأيدي. فقالت له نفسه: قد عذبتني نصف النهار بالعطش وتسقيني من هذا الماء الوسخ ؟
فلما رأى منها هذا العتاب ألقى القدح من يده وأقسم أن لا يذيقها الماء سنة كاملة، وفعل ذلك.
ومع عدم الاقتناع بأن يبقى إنسان شيئاً يسيراً بلا ماء، فإن الظاهر أن سياق القصة مأخوذ من قصة أبي يزيد البسطامي مع الماء فإنه لا اختلاف بين القصتين بتاتا.
وذكروا مثل هذه الكرامات لغير الرفاعي: فالشيخ أبو رفاعة المهدي الرفاعي بقي أربعين يوما متتالية لا يأكل ولا يشرب بل ولا ينام. ومع ذلك كله لم يغب عن أداء ما افترضه الله عليه.
وكذلك السيد ولي الله «السكران» أبو محمد اليعقوبي الرفاعي كان كثيرا ما يمكث الستة أشهر لا يأكل طعاما ولا يشرب ماء.
ولقد ضرب الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي الرفاعي الرقم القياسي في الامتناع عن الطعام والشراب، حيث بقي بلا طعام ولا شراب سبع سنين.
فهل حصل مثل هذه الكرامة لنبي من الأنبياء فضلا عن أن تحصل لغيرهم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق